بسم الله الرحمن الرحيم
ثمار العبودية
الشيخ /عبد المجيد الريمي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
أيها الأحبة في هذه الأسطر نتحدث عن ثمار العبودية نتحدث معكم عن فوائد العبادة
عموماً ويدخل فيها فوائد الصيام خصوصاً وذلك لأن العبادة فيها عزة الإنسان وفيها
فلاحة وفيها قربة من الله تعالى وفيها تحقيق الغاية من وجوده قال الله تعالى: {وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [(56) سورة الذاريات] فللعبادة
ثمار وفوائد ومكاسب في الدنيا والآخرة في النفس والمجتمع فلنتأمل معاً ثمار العبودية
وفوائدها لنحققها بشروطها وهي أن تكون خالصة وأن تكون موافقة لشرع الله.
أول شيء من ثمار العبادة أن الإنسان ينجح إذا حقق العبادة ينجح في تحقيق الغاية
من وجوده فيأتي إلى الدنيا ويخرج منها وقد عرف مهمته في الحياة فيخرج منها وقد
أدى الفرض قدر المستطاع وحسب القدرة والتوفيق من الله تعالى قال تعالى: {وَاعْبُدْ
رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [(99) سورة الحجر].
وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [(56)
سورة الذاريات] فالذي لا يعبد الله تعالى يعيش بلا هدف {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا
عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [(22)
سورة الملك].
يعرف البداية ويعرف النهاية ويعرف الطريق ويعرف ما تحتاجه الطريق.
ومن ثمار العبادة وفوائدها الانسجام مع بقية المخلوقات {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن
فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ}
[(15) سورة الرعد].
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ
وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [(18) سورة الحـج].
فكل ذلك طائع لله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ
لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}
[(11) سورة فصلت] فيحقق الانسجام مع بقية المخلوقات فيطيع الله ويسجد له وهو الخضوع
والانقياد ويمشي مع بقية أجزاء الكون في تناسب وفي انتظام وانسجام وإلا فإنه إذا
أعرض عن ذكر الله وأعرض عن العبودية لله فإنه يعيش في حالة انقصام مع كل شيء وإذا
مات استراح منه العباد والبلاد والشجر والدواب ويلعنه من في السموات ومن في الأرض
كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما المنافق فيستريح منه العباد والبلاد
والشجر والدواب".
ومن ثمار العبودية لله تعالى إظهار سر قوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}
[(30) سورة البقرة].
ومن ثمار العبادة إرغام الشيطان.
ومن ثمار العبادة النجاح في الابتلاء {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [1-2 سورة الملك] أخلصه
وأصوبه.
{وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ
إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [(7) سورة هود].
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [(35) سورة الأنبياء] أي اختبار وامتحان فينجح المؤمن
العابد في الابتلاء ويحقق العبودية لله تعالى.
ومن ثمار العبودية أنها طريق الولاية لله تعالى.
ومن ثمار العبودية أنها طريق المحبة لله تعالى.
فليست المحبة بالادعاء ولقد ادعى اليهود والنصارى أنهم أحباب الله وأولياؤه فكذبهم
الله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ
لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [(18) سورة المائدة] لماذا؟ لو كنتم
أحبابه وأولياؤه هل يعذب الحبيب حبيبه هل جرت العادة بذلك إنما تجري العادة أن
الحبيب يكرم حبيبه ولا يعذبه ولا يهينه فلماذا يعذبكم ويهينكم إنما ذلك بسبب ذنوبكم
ومعاصيكم قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [(31) سورة
آل عمران].
فطريق الولاية وطريق المحبة هي العبودية لله تعالى ولهذا قالوا يا رسول الله: "من
أكرم الناس؟ قال أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فيوسف نبي الله إن نبي الله
بن نبي الله بن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال عن معادن العرب تسألوني خيارهم
في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
ومن ثمار العبودية أنها طريق المعية فالله مع عباده بالحفظ والقرب والذكر "أنا
مع عبدي إذا ذكرني، أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني" {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [(152) سورة البقرة] وقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ
لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [(186) سورة البقرة].
كما أن العبودية هي طريق النصر فإننا لن ننتصر على أنفسنا وعلى عدونا إبليس ولا
على أعدائنا الكفار ولا على مغريات الحياة الدنيا لا ننتصر على ذلك إلا بتحقيق
العبودية لله فالعبودية هي طريق النصر ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا
لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا
لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [171-172-173 سورة الصافات].
كما أن العبودية هي سبب الثبات في الفتن والمحن قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ
الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ
وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء} [(27) سورة إبراهيم].
وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا
لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [(66) سورة النساء] وقال - عليه الصلاة والسلام
-: "العبادة في الهرج كهجرة إلي". فكما أن الهجرة كانت في الزمن الأول زمن الفتنة
والمحنة كانت سبب للخروج من المحنة ولاضطهاده فكذلك العبودية لله تعالى سبب للثبات
في الفتن والمحن.
كما أن في العبودية صيانة العرض وحفظ الجاه فإن العاصي يعرض نفسه لعذاب الدنيا
وخزي الآخرة فالعاصي بالزنا مثلاً يعرض نفسه للسمعة السيئة والإثم القبيح إنه زاني
وبالجلد وبالفضيحة ويعرض نفسه لأنواع السمعة السيئة والابتذال والإهانة عند الناس
وكذلك قل في شارب الخمر والقاذف والكذاب وغير ذلك من أنواع المعاصي التي تهين العبد
وتذله وتجعله لا مكانة له في المجتمع ففي الطاعة صيانة العرض فلا يزال الناس يكنون
الاحترام والتقدير لأهل الطاعة ويجعلون لهم مكانة في قلوبهم وأما المعصية فإنها
ذل إهانة للإنسان قال تعالى: "وقد خاب من دساها" أي دنسها بالمعاصي ففي العبودية
صيانة العرض وحفظ الجاه.
كما أن في العبودية صلاح السلوك والأخلاق وحسن الصيت ولهذا كأن له معنى في الصلاة
في الصيام في الحج في الزكاة فإنها كلها تهدف إلى حفظ الأخلاق.
وقال - عليه الصلاة والسلام -: "وإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإذا سابه
أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله
حاجة أن يدع طعامه وشرابه" وهكذا العبادة دائماً تدعوه إلى السمو الروحي والتواضع
والأخلاق الفاضلة.
كما أن في العبودية لله حفظ المال فإن العابد لله تعالى يحفظ ماله فلا يصرفه إلا
في طاعة الله تعالى ويكون من أتقى الناس من أن يصرف درهماً أو ديناراً في معصية
الله وإنما يصرف جميع أمواله في ما يقربه إلى الله تعالى ينفقها بسخاء في مرضات
الله.
"لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق" أما من لم
يحقق العبودية لله ولم يستشعر المسؤولية في المال والعبودية فيه فإنه يتخوض في
مال الله بغير حق.
قال - عليه الصلاة والسلام -: "إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق لهم النار
يوم القيامة".
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ
يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [(36) سورة الأنفال].
أضف إلى ذلك أن العبودية تحقيق المحبة من الله الخالق للعبد قال الله تعالى: {إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}
[(96) سورة مريم].
وقال - عليه الصلاة والسلام -: "إذا أحب الله عبداً نادى يا جبريل إني أحب فلاناً
فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في أهل السموات إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه
أهل السموات ثم يوضع له القبول في الأرض" وتأملوا كيف يحظى أنبياء الله بالثقة
والاحترام لأنهم حققوا العبودية عند المسلمين واليهود والنصارى وسائر أهل الملك
كيف منزلة عيسى؟ كيف منزلة موسى؟ كيف منزلة أنبياء بني إسرائيل عند المسلمين كذلك
عند سائر الملل كل ذلك لما حققوا العبودية لله ولهذا قال تعالى في إبراهيم أنه
قال: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [(84) سورة الشعراء] فكل
طائفة وكل أمة من الأمم تدعي أنه منها {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ
نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
[(67) سورة آل عمران] فكل الطوائف تجتذبه ليكون إماماً لها وما ذلك إلا أنه حقق
العبودية لله وحقق الإخلاص والعبودية لله تعالى والتوحيد {وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ
خَلِيلاً} [(125) سورة النساء] وهكذا سائر أتباع الأنبياء كلما كان الإنسان أكثر
اتباعاً لله كانت منزلته في قلوب المؤمنين في الدرجة الأولى كمنـزلة الصحابة مثلاً
عند المؤمنين ثم كلما كان الإنسان أكثر تديناً كانت منزلته عند الخلق أعظم ولهذا
فإن العبودية فيها خير الدنيا والآخرة.
أيها الأخوة في الله: ومن ثمار العبودية "صحة القلب" فإن المعاصي والذنوب والبعد
عن الله يمرض القلب إما يمرضه وإما يميته فإن الإنسان إذا استكبر عن العبودية لله
كان قلبه إبليس قاس ميت، قال تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ
مِنَ الْكَافِرِينَ } [(34) سورة البقرة].
قال تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ
إِلَيهِ جَمِيعًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ
أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ
فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا
وَلاَ نَصِيرًا} [172-173 سورة النساء] {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [(35) سورة غافر].
فالذي لا يعبد الله واستكبر فقلبه قلب إبليس قاس ميت ومن عبد الله وعبد معه غيره
من الأهواء والشبهات كالدرهم والدينار وكذلك عبد غير الله من المعبودات فإنه صاحب
قلب مريض قال تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم
عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [(10) سورة البقرة] وقال: {فَيَطْمَعَ
الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [(32) سورة الأحزاب]
إلى غير ذلك من الآيات.
ففي العبودية لله وتحقيقها حياة القلب وصحته قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا
فَأَحْيَيْنَاهُ} والمراد ميت القلب موت القلوب وأما الحسد فهو حي حياة بهيمية
ولكن المراد حياة القلب {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ
نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ
مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [(122) سورة
الأنعام].
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا
الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء
مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [(52) سورة الشورى].
فتلكم يا عباد الله ثمار العبودية وغيرها وغيرها كثير فعلينا أن نسابق في تحقيق
العبودية لله تعالى.
ومن ثمار العبودية "طيب النفس" {َالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ
لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
كَرِيمٌ} [(26) سورة النــور] {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}
[(73) سورة الزمر].
فالمسلم العابد لله طيب في نفسه في باطنه في ظاهره في أكله في شربه في ملبسه في
حياته كلها طيب سلوكاً وأخلاقاً فيكون طيباً وعكسه الخبيث مأكلاً ومشرباً وظاهراً
وباطناً وفكراً وسائر أعماله وأحواله خبيث في خبيث {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ
وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [(26) سورة النــور].
{لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ
عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ
الْخَاسِرُونَ} [(37) سورة الأنفال] {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ،
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [27-28 سورة الفجر].
ومن ثمار العبودية انشراح الصدر ولذة الطاعة {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى،
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [5-6-7 سورة الليل].
قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ
فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ
الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [(7) سورة الحجرات].
ومن ثمار العبودية وفوائدها لذة الطاعة فكلما حققت طاعة استلذيت بها وسعيت إلى
تحصيل غيرها أو أختها أو مثلها وهذه من ثمار العبودية والطاعة بخلاف من جعل الله
صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء لا يعجبه إلا الخبيث لا يستلذ الطاعة ويتضايق
بها ويضيق ولا ينشرح صدره بها وإنما ينشرح صدره بأضدادها من المعاصي والذنوب والمخالفات،
فالأنس بالله وانشراح الصدر ثمرة من ثمار الطاعة.
إذا كنت قد أوحشتك الذنوب
فدعها إذا شئت واستنأنس
رأيت الذنوب تميت القلوب
وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
فخير لنفسك عصيانها
كذلك من ثمار العبودية "الأمن المطلق" فيحس المسلم بالأمن في الدنيا والآخرة نعم
ينبغي أن يكون خائف لكن يحس بأنه آمن لأنه عرف الغاية عرف كيف يعبد الله عرف الحياة
فهو آمن وبسبب هذا الأمن أنه لو قيل له اكفر لو خير ما اختار إلا طاعة الله وحده،
كما قال - عليه الصلاة والسلام -: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان...."الحديث.
لماذا يصر المسلم على مواصلة الطاعة والانقياد لله تعالى ولماذا يتجاوز العقبات
التي تقف في طريقه؟ ولماذا يتحمل أعباء الطريق ومشاكله، ولماذا يتحمل من أجل هذا
الطريق ما يتحمل إنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن عرف ثمرات القيام بعبوديته لله تعالى
والفوائد التي يجنيها في الدنيا والآخرة مما أصر على المضي قدماً ولم يبالي ببنيات
الطريق قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ
تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [(153) سورة الأنعام] وبهذا يُعلم أيضاً لماذا بعض الناس
ينقلب على عقبيه بين الحين والآخر؟ فيستقيم على العبادة أحياناً أو أياماً ثم يرجع
إلى عبادة هواه وعبادة الدنيا وعبادة غير الله تعالى ما هي الأسباب.
إن ذلك كله يتمثل إلى عدم فهم لذلك يحتاج هذا الموضوع أن نردده أكثر فأكثر وأن
نتفهم فيه من أجل أن نعرف القصد والغاية والهدف في حياتنا.
فمن أولى أهم ثمرات العبادة أن الإنسان الذي يقوم بعبادة الله تعالى يكون قد هدي
إلى صراط مستقيم وعرف الطريق الذي يمشي فيه وعرف الهدف الذي يجب أن يسعى إليه وعرف
أن له وظيفة في هذه الحياة يجب أن يؤديها وأن مجيئه إلى هذه الحياة إنما هو من
أجل تحقيقها فإذا ذهب من هذه الحياة ولم يحقق تلك الغاية والهدف فإنه يعد خاسراً
خسراناً مبيناً {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
[سورة العصر].
أول هذه الثمار وأول هذه الأهداف أنه تطمئن نفسه ويرتاح ضميره ويسكن فؤاده إلى
أنه قد عرف الحكمة من خلقه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
[(56) سورة الذاريات] فقام بعبادة الله تعالى بمعناها الشامل بمعناها الكامل بمعناها
التام عبودية الظاهر وعبودية الباطن وعبودية اللسان وعبودية القلب وعبودية الجوارح
وعبودية الزمان والمكان، عبودية الضمير والشعور، عبودية السمع والبصر عبودية في
كل حال من أحواله نقوم بالعبودية لله تعالى فلا يتحرك يمنة ولا يسرة ولا يتقدم
ولا يتأخر ولا يقول قولاً ولا يفعل فعلاً إلا وهو يعلم أنه يؤدي في ذلك عبودية
لله تعالى {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
} [162-163 سورة الأنعام] فلا يسمح لنفسه أن يعبث بالحياة أن يعبث بأوقاته أن يعبث
بصحته أن يعبث بعلمه أن يعبث بماله أن يعبث بلسانه ولغته وبيانه أن يعبث بأفكاره
أن يعبث بشيء من حياته أبداً إنما يصرفها فيما يرضي الله تعالى وتلك ورب الكعبة
أعظم الثمار والفوائد فيعيش ذا قيمة ويعيش ذا مكانة عند الله تعالى وعند ملائكته
وعباده الصالحين.
أيها الأخوة في الله: من ثمار العبادة الهامة العظيمة: أن الإنسان يتفق وينسجم
مع بقية المخلوقات في أداء العبودية لله تعالى ولا تكون حياته نشازاً ولا يكون
شاذاً عن بقية المخلوقات فيعصي الله تعالى على أرضه وهو يأكل رزقه ويستظل بظله
ويعيش على نوره وهو يسكن في ليله وظلمته وهو يعيش على مائدة الله تعالى فلا غنى
له عن ربه طرفة عين {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [(15) سورة فاطر] ومن ثم يؤدي شكر هذه النعمة
ويؤدي شكر هذا الوجود {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ
الشَّكُورُ} [(13) سورة سبأ] أي من أجل الشكر.
وقال تعالى في كتابه الكريم: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ
لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [(4)
سورة الإسراء] إلى قوله: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ
عَبْدًا شَكُورًا} [(3) سورة الإسراء] عن عبده نوح الذي قام بالدعوة وقام بالعبودية
لله تعالى وأثنى عليه الله تعالى لأنه كان شكوراً لله تعالى فيقوم الإنسان بالشكر
لله تعالى قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ
فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا
وَإِمَّا كَفُورًا} [2-3 سورة الإنسان] فإذا قام بالعبودية لله تعالى قد قام بوظيفة
الشكر وبواجب العبودية لله تعالى ويحقق الانسجام مع بقية المخلوقات {أَلَمْ تَرَ
أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ
النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ
مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [(18) سورة الحـج].
قال تعالى: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}
[(26) سورة الروم] وقال تعالى: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [(15) سورة الرعد] إلى
غير ذلك {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ
عَبْدًا} [(93) سورة مريم] فعند ذلك يقوم بالعبودية لله تعالى العبودية الطوعية
الاختيارية فينسجم مع بقية الكائنات ويحقق العبودية لله تعالى.
أيها الأخوة: ومن ثمار العبودية أن الإنسان عندما يقوم بطاعة الله الأمر والنهي
يحقق معنى عظيماً من معاني قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ
إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [(30) سورة البقرة] سيكون منهم الصالح ويكون
منهم العالم سيكون منهم التقي الورع سيكون منهم العابد المصلي المحافظ على الصلوات
سيكون منهم الصائم سيكون منهم المنفق المتصدق سيكون منهم المجاهد سيكون منهم التالي
لكتاب الله سيكون منهم طالب العلم سليم اللسان لا يغتاب ولا ينم ولا يكذب ولا يسب
ولا يقول الفحش "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذي" سيكون منهم
المحسن إلى الناس بيده ولسانه القائم على الأرملة والمسكين واليتيم كما يقول الرسول
- صلى الله عليه وسلم -: "الساعي على الأرملة والمسكين كالصائم الذي لا يفطر والقائم
الذي لا يفتر" وهكذا قال تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أما الذين
يعيشون حياتهم فساداً ولهواً ولعباً ويجاهرون بمعاصي الله وكل حياتهم معاصي لا
يصلون الصلاة ولا يحضرون المساجد لسماع المواعظ والعظات والاعتبار وإنما يحضرون
أماكن الطرب واللهو وأماكن الشيطان وصوت الشيطان إنما يعيشون ويغذون أرواحهم بما
حرم الله تعالى عليهم من السماع المحرم كما قال الله تعالى عن إبليس: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ
هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً، قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا، وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ
مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ
فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ
غُرُورًا} [62-63-64 سورة الإسراء] قال المفسرون أنه الأغاني فلهذا فإن العابد
لله حقاً يفتتح حياته ويفتتح أحواله بعبوديته لله تعالى حتى هو طفل صغير بل حتى
وهو نطفة وحتى وهو في صلب أبيه فإنه إذا أراد الرجل المسلم أن يجامع أهله قال:
"بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا" إذا قضي بينهما ولد لم
يضره الشيطان فيختار المرأة التي يرضى دينها استقبلها ومسك بناصيتها وقال: "اللهم
إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه" ثم قاما
يصليا فيفتتحا حياتهما الزوجية بالعبودية لله تعالى.
أما أهل الدنيا أما أهل الجهل أما أهل اللهو واللعب فإنهم يستفتحون عرسهم وزواجهم
بما حرم الله تعالى من المباهاة والإنفاق المسرف وهكذا أيضاً الأغاني والمحرمات
والموسيقى وغير ذلك من أنواع المحرمات والاختلاط فإنا لله وإنا إليه راجعون.
برئنا إلى الله من معشر
بهم مرض من سماع الغناء
فكم قلت يا قوم أنتم على
شفا جرف ما به من بناء
شفا جرف تحته هوة
إلى درك كم به من عناء
فلما استهانو بتنبيهنا
رجعنا إلى الله في أمرنا
فعشنا على سنة المصطفى
وعاشوا على تنتنا تنتنا
فإنا لله وإنا إليه راجعون مزمار الشيطان يعيش الإنسان عليه يتغذى به ويهجر القرآن
بل بلغ بكثير من الناس من المجاهرة والعصيان والمضادة والمحادة أنهم يقاومون صوت الأذان
وصوت الصلاة والتكبير وغير ذلك بالأغاني واللهو والبدع والمحرمات ويشغلون الناس في
مساجدهم وفي صلاتهم وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: "يرفع بعضكم على
بعض بالقرآن" يعني في الصلاة كلكم يناجي ربه فكيف بمن يشغل المصلين بما حرم الله تالله
إنما دور الشيطان وعمل الشيطان أنه إذا سمع الأذان سمع التكبير يهرب إذا لم يسمع التكبير
جاء يوسوس ولم يفعل الشيطان كفعل كثير من الناس ممن يزعجون الناس في صلاتهم بما حرم
الله تعالى فلهذا المسلم يفتتح حياته الزوجية بالعبودية لله تعالى بامتثال أمر ربه
بأن يعيش حياة يملأها القرآن يملأها الحديث والسنة يملأها سيرة السلف الصالح فتلك والله
حياة عباد الله المتقين {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا
عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [72-73 سورة الفرقان] {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ
أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ
لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [(55) سورة القصص] {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ
الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [(6) سورة لقمان]، وقال - عليه الصلاة والسلام
-: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين صوت نقمة عند نعمة، وصوت عزاء عند مصيبة". وقال - عليه
الصلاة والسلام – كما رواه البخاري: "ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر
والمعازف" فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن ثمار العبودية لله تعالى أن الإنسان يراغم الشيطان فإن الشيطان أقسم بين يدي الله
{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ
وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [(17) سورة الأعراف] ولهذا
فإن الله تعالى قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [(42) سورة
الحجر] عبادي الذين يقومون بالعبادة بالإخلاص والمتابعة ليس لك عليهم سلطان {إِنَّ
الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ} [(201) سورة الأعراف] لا يستسلمون للشيطان أبداً وإنما يدفعونه بالاستقامة
والتوبة والرجوع إلى الله كما جاء في الحديث أن الشيطان قال يا رب وعزتك وجلالك لا
أزال أغويهم ما زالت أرواحهم في أجسادهم فقال الله وعزتي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني
فلهذا يرجع المسلم دائماً إلى الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [(73) سورة الفرقان] ويراغم الشيطان
بذكر الله تعالى عند دخول البيت وعند الخروج منه وعند النوم وعند القيام من النوم وعند
العمل وفي أي مكان وعند الأكل والشرب وغير ذلك يقومون بذكر الله - عز وجل – وإذا قرأوا
القرآن خشعت له أرواحهم وأجسادهم إذا ذكروا بآيات ربهم خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم
وهم لا يستكبرون، فيعتزل الشيطان يبكي ويقول يا ولي أمر ابن آدم بالسجود فله الجنة
وأمرت فسجد فلم أسجد فلي النار فهكذا يقول الشيطان فالقيام بالعبودية لله تعالى فيه
مراغمة للشيطان وتحقر له وأما إذا أطاع الإنسان الشيطان فإن الشيطان يسيطر عليه ويستولي
عليه في مأكله ومشربه ومنكحه في كل شيء من أحواله وحياته حتى إنه ليحضره عند أكله إذا
سقطت اللقمة قال - عليه الصلاة والسلام -: إن الشيطان يحضر أحدكم في كل شأنه حتى عند
الأكل فإذا سقطت لقمة أحدكم فليمسح ما كان منها من أذى وليقل بسم الله ولا يدعها للشيطان"
أو كما قال - عليه الصلاة والسلام -. فلهذا يراغم الشيطان دائماً شيطانه منه في تعب
وفي نكد أما ذلك الذي ركب الشيطان عليه وغره وخدعه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ
الْغَرُورُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو
حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [5-6 سورة فاطر].
ومن ثمار العبودية إرغام الشيطان...
ومن ثمارها أيضاً: "أنها الطريق الوحيد إلى ولاية الله - عز وجل – فإن لله من الناس
أولياء كما أن للشيطان أولياء قال الله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [62-63
سورة يونس].
وقال - صلى الله عليه وسلم – قال الله تعالى: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"
فولاية الله تعالى الطريق إليها الوحيد هو القيام بالعبودية لله تعالى ليس بالأنساب
قال - عليه الصلاة والسلام -: "لا يأتون الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتونني بأنسابكم".
لعمرك مالإنسان إلا ابن دينه
فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
وقد رفع الإسلام سلمان فارس
وقد وضع الكفر النسيب أبا لهب
فالطريق إلى ولاية الله تعالى هو القيام بالعبودية لله تعالى فكلما قام الإنسان بعبوديته
لله على أكمل الوجوه إخلاصاً واتباعاً وعموماً وشمولاً بكافة حركاته وسكناته كان أحق
الناس بولاية الله وكان أحق الناس بالقرب من الله قال - عليه الصلاة والسلام -: "أقرب
ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".
وقال - صلى الله عليه وسلم – قال الله تعالى: "ما تقرب إلي عبدي بمثل ما فرضته عليه
ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره
الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها..إلى قوله فبي يسمع وبي يبصر
وبي يبطش ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء ترددي في قبض
روح عبدي المؤمن".
ولهذا فإن الله تعالى ما أثنى على أحد إلا لما حققه من العبودية لله - عز وجل – ولا
اقترب منه مقترب إلا بما حقق من العبودية.
قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [7-8 سورة الشرح]
أي إذا فرغت من العبادة فانصب أيضاً في عبادة أخرى {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} فلا
بد أن يكون الإنسان في غاية من الرغبة الجامحة إلى الله تعالى وفي لقائه ومن أحب لقاء
الله أحب الله لقاءه.
قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ
الْيَقِينُ} [97-98-99 سورة الحجر] فلا راحة للعبد المؤمن إلا في جوار ربه سبحانه وبعد
رضى الله تعالى فلهذا فالمؤمن يعلم أن طريق التقرب إلى الله وطريق أن يكون له منزلة
عند الله إنما ذلك بالعبودية قال الله تعالى عن نوح - عليه السلام -: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} [(9) سورة القمر] هذه الإضافة هي التي جعلت كل
عابد لله صادق يتحمل من أجلها ما يتحمل مرارة الدعوة مرارة الإعراض مرارة الاحتقار
والاستهزاء مرارة الصد عن سبيل الله وغير ذلك {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ
وَازْدُجِرَ} [(9) سورة القمر] وقال سبحانه: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [(45) سورة ص].
وقال تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [(44) سورة ص] في أيوب وهكذا أيضاً
في داود وغير ذلك وكذلك سليمان وكذلك عيسى قال الله: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا
عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} [(59) سورة الزخرف] وكذلك الملائكة
المقربون {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}
[(26) سورة الأنبياء].
وقال تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ} [(172) سورة النساء] إلى غير ذلك من النصوص التي تبين أن طريق المكانة
عند الله - عز وجل – إنما هي بتحقق العبودية لله.
ومما زادني شرفاً وتيهاً
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
ومن أعظم الفوائد وأجلها وأعظمها أن الإنسان يخلص في العبودية لله عندما يقوم بالعبودية
لله وهو لا بد له من العبودية أنه ليس رباً أنه ليس بيده الضر والنفع أنه ليس بيده
تقرير مصيره ولا تقرير حياته ولا حتى تدبير جسمه وما فيه من أنواع الأعضاء وأنواع الأجهزة
إنه لا يملك تدبير نفسه فهو أيضاً إذا لم يكن عبداً لله فسوف يكون عبداً لغيره عبداً
للطواغيت كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ
أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ}
[(17) سورة الزمر].
كذلك قد يكون عبداً للدرهم والدينار كما قال - عليه الصلاة والسلام -: "تعس عبد الدرهم
تعس عبد الدينار" أو يكون عبداً للهواء {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [(23)
سورة الجاثية].
أو يكون عبداً لغير الله من القبور والأحجار والأشجار والأنبياء والملائكة وغير ذلك
فلهذا إذا قام بالعبودية لله تخلص من العبودية لغيره وكفى به فائدة {ضَرَبَ اللَّهُ
مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [(29)
سورة الزمر].
ومن أعظم ثمار وفوائد العبادة أنها طريق إلى العلم فما ضل من ضل إلا لحرمانه من العلم
والعبودية لله تعالى، فالمسلم الذي يشعر بواجب العبودية يسأل عن العبادة ما هي ما ماهيتها
ما أنواعها ما تعريفها ما مجالاتها في أي شيء تكون العبودية؟ فهو دائماً يسأل ماذا
أعمل في كذا؟ ما يحل لي في كذا؟ ما يحرم علي في كذا؟ كيف أعتقد؟ كيف أومن؟ كيف أعبد
الله؟ كيف أؤدي الزكاة؟ كيف أقيم الصلاة؟ ماذا أقول في الصباح والمساء؟ وفي جميع الأحوال
فذاك طريق إلى العلم فعندما يقوم بالعبودية لله تعالى يتعلم ويفتح الله عليه ويفقه
في الدين ويريد به خيراً "ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" فالقيام بالعبودية
لله تعالى أيضاً طريق إلى العلم أحبتي في الله العبودية كثيرة وعظيمة فلا بد أن نعملها
ولا بد أن نتفقه فيها.
ومن أعظم ثمار العبودية دوام الاستقامة والاستمرار على الطاعة ولا يكون الإنسان ممن
ينقلب على عقبيه {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ
أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ
عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [(144)
سورة آل عمران]. وقال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ
فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى
وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [(11)
سورة الحـج].
هناك ثمار كثيرة في العبودية فعلينا أن نتفقه في ذلك وأن نستمر على عبودية ربنا نعم
المعبود نعم المولى ونعم النصير فليس له مثيل في القدرة والإرادة والنفع والضر والقدرة
على إعطائنا ما نريد.
ومن أعظم الثمار ومن أعظم الفوائد أننا نحضى برضا الله تعالى ففي الجنة يقول الله تعالى
يا أهل الجنة هل رضيتم فيقولون يا ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم يعطَ أحداً
من خلقك ويقولون ألم تثقل موازيننا ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار
فيقول الله أولا أعطيكم شيئاً أفضل من ذلك فيقولون وما هو؟ فيقول: أحل عليكم رضواني
فلا أسخط عليكم بعد أبداً.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.