بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد :
فهذه خطوط عريضة إجمالية في بيان ما آلت إليه مسيرة الحركة الإسلامية في
اليمن بعد تبنيها العمل السياسي المبني على قواعد الديمقراطية الغربية أشير فيها إلى
المخاطر العقدية والمآخذ المنهجية التي ترتبت على سلوك هذا الطريق ليكون في ذلك إضاءة
للمهتمين بالعمل الإسلامي السائرين على منهج أهل السنة والجماعة لمعرفة جدوى
هذا الطريق وهل يعتبر الدخول فيه عمل اجتهادي معتبر شرعا بحيث يحكم على الداخل فيه
بما يحكم على المجتهدين في مسائل الفروع ومجالات الاجتهاد .
أم أن القضية ( أعني قضية الديمقراطية من حيث هي بغض النظر عن حكم
سالكها ) أكبر من ذلك أي أن حكمها على أقل الأحوال حكم الاختلاف الذي جرى بين أهل السنة
والجماعة مع الفرق العقدية المشهورة من حيث التشنيع والإنكار على المخالف فيها باعتبار
تلك العقائد مخالفة لأصول وثوابت أهل السنة والجماعة .
وكذلك الديمقراطية الغربية مذهب كفري إلحادي يقوم على أسس تتناقض مع مسلمات
العقيدة السلفية ومن ثم فالكفر لا ينضوي تحت إطار الاجتهاد السائغ الذي لا ينكر
فيه على المخالف وإن كان الحكم بلوازم هذا الأمر على من سلكه لا يهمنا كثيرا لما في
القضية من ملابسات تستدعي التحذير من الفكرة دون الدخول في متاهات الحكم على السالك
فيها من الإسلاميين 0
وإنني أهيب بأهل العلم أن يقفوا من الديمقراطية على الأقل موقف السلف الصالح
أهل السنة والجماعة من علم الكلام المذموم باعتبار الجامع المشترك بينهما وهو الخلط
الموجود فيهما بين الحق والباطل وما يسببان من غبش في الرؤية وما يثيران من غبار يحول
دون رؤية المعالم الصافية النقية لمنهج أهل السنة والجماعة في المجال السياسي من حيث
مصدر التلقي والتشريع ومن حيث المهام الرئيسة للدولة الإسلامية كالأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر وإقامة الدين وسياسة الدنيا به وبقية أحكام الإمامة المبثوثة في الكتاب والسنة
وأقوال السلف الصالح وقد رأيت أن تكون الطليعة مقدمة للبحث المطول الموثق حول مسيرة
الحركة الإسلامية في اليمن في الآونة الأخيرة من عمر الدعوة وبنيت البحث على النقاط
التالية :
1ـ الديمقراطية مفهوما وحكما وبيان أن الديمقراطية المعمول بها في البلاد
الإسلامية وبالأخص في اليمن هي الديمقراطية الغربية وأن الذين يفسرونها بالشورى لم
يفعلوا شيئا في واقع الأمر سوى تسميتها في أدبياتهم وكتاباتهم بالشورى وأما أركانها
وأعمدتها ومفاصلها نظرا وواقعا فهي الديمقراطية الغربية جوهرا وشكلا .
2 ـ بيان مخاطر الحزبية باعتبارها ركنا من أركان النظام السياسي الديمقراطي
وموقف الحركة الإسلامية منها ومن أصحابها قبل إقرارها وبعده .
3 ـ الموقف من أصول منهج أهل السنة والتفريط في بعض تلك الأصول نتيجة لسلوك
هذا الطريق ويدخل في ذلك تأثرهم بالفكر الإرجائي .
4 ـ الموقف من الحركات الإسلامية السلفية نتيجة لرفضهم سلوك هذا الطريق
.
5 ـ تغير مواقفهم في قضية المرأة وما هي حقوقها الشرعية التي منحها الإسلام
.
وقد اعتمدت في هذا البحث على الأقوال المنقولة من المصادر الموثوقة المعترف
بها لديهم وكونت منها رأيا عاما يصعب القول معه بأن ما نقل يعبر عن رأي صاحبه لامتناع
التوافق العشوائي في كل تلك الأقوال من دون سابق تنسيق أو اتفاق فكري .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
فصل في المحاذير الشرعية التي ترتكب في هذا السبيل .
أولا : يلتزم من سلك في هذا الطريق بنوعية النظام القائم ودعائمه وصفاته من حيث كونه
جمهوريا أو ملكيا أو ديمقراطيا تعدديا ويتبنى الدفاع عنه وهذه الأنظمة تخالف
في جوهرها وحقيقتها طبيعة النظام الإسلامي الذي يهدف إليه من يعرف حقيقة النظام
الإسلامي ، وهو نظام الخلافة حيث جاء في المادة (8 ) من قانون الأحزاب أنه يشترط
لتأسيس أي حزب أو تنظيم سياسي أو للاستمرار في ممارسة نشاطه ما يلي :
عدم تعارض مبادئه وأهدافه وبرامجه ووسائله مع : وذكروا أشياء منها :
النظام الجمهوري وأهداف ومبادئ ثورتي سبتمبر وأكتوبر ، وهذا التزام عجيب حيث
أن من المعلوم أن الهدف من إنشاء الحركات السياسية الإسلامية في العصر الحديث هو إقامة
النظام الإسلامي حيث رفعت شعار الإسلام هو الحل وأن الإسلام دين ودولة فالتعهد
بالحفاظ على الأنظمة الملكية الدكتاتورية والجمهورية يتعارض مع هذا الهدف ، اللهم إلا
أن يريدوا التوفيق بين الإسلام وهذه الأنظمة وهو أمر يصعب على من يفهم الإسلام تقبله
.
ثانيا : يلتزم سالكو هذا الطريق بالدساتير العلمانية ويقسمون على احترامها والعمل بها
وهم في قرارة أنفسهم يعلمون مخالفة الكثير منها لأصول الإسلام ، حيث جاء في المادة
(8) من قانون الأحزاب أنه يشترط لتأسيس أي حزب أو للاستمرار في ممارسة نشاطه
عدم معارضة أهدافه وبرامجه ووسائله مع الدستور .
ثالثا : يلتزم من سلك هذا الطريق بما فرضته اتفاقية سايكس ـ بيكوا من تقطيع لأوصال
العالم الإسلامي والعربي تحت شعار الحفاظ على سيادة واستقلال ووحدة الأراضي كما جاء
في المادة (8) من قانون الأحزاب أنه يشترط لتأسيس أي حزب أو تنظيم سياسي أو للاستمرار
في ممارسة نشاطه عدم تعارض مبادئه وأهدافه وبرامجه ووسائله مع سيادة واستقلال الوطن
وهذا تحقيق لأهداف أعداء الإسلام واعتراف بإجراءاتهم التعسفية الظالمة .
رابعا : يلتزم من دخل هذا الطريق بالمبدأ العلماني الإلحادي المخالف لكتاب الله وسنة
رسوله وهو ما أسموه بالوحدة الوطنية والتي هي مضمون المبدأ العلماني المشهور الدين
لله والوطن للجميع ومن المعلوم أنه مع وجود هذه الأحزاب العلمانية فإن هذه الوحدة تعني
عدم مفارقتهم وبغضهم ومنابذتهم وتكفيرهم وإقامة الأخوة الوطنية مقام الأخوة الإيمانية
حيث جاء في قانون الأحزاب المادة (8 ) أنه يشترط لتأسيس أي حزب و تنظيم سياسي أو للاستمرار
في ممارسة نشاطه عدم تعارض مبادئه وأهدافه وبرامجه ووسائله مع الوحدة الوطنية للمجتمع
اليمني .
خامسا : يلتزم من سلك هذا السبيل بمبادئ الكفر والإلحاد والعلمانية التي شرعها طواغيت
الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤسسات والمنظمات الطاغوتية الدولية حيث جاء في قانون
الأحزاب المادة (8) أنه يشترط لتأسيس أي حزب أو تنظيم سياسي عدم معارضة أهدافه وبرامجه
ووسائله مع الحريات والحقوق الأساسية والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان .
سادسا : يلتزم من سلك هذا الدرب بأن لا يقوم على أساس تكفير الأحزاب أو التنظيمات السياسية
الأخرى أو المجتمع وأفراده كما جاء في المادة (8) من قانون الأحزاب في الشرط
الخامس ( بل جاء في ميثاق الشرف في القواعد لأخلاقية في البند الثاني الإلتزام بالامتناع
حتى عن الحكم بكفر البرنامج السياسي ) وهذا إلغاء لحكم شرعي لا يقل خطورة عما قامت
به الأنظمة العلمانية من إلغاء لكثير من الحدود الشرعية والأحكام الإسلامية كالجهاد
وغيره فالالتزام به موافقة واضحة على ما تضمنه من تشريع وضعي مخالف لأبجديات العقيدة
الإسلامية ولنواقض الإسلام وخاصة مع وجود وانتشار المذاهب الكفرية في بلاد الإسلام
، وقد جاء من جملة نواقض الإسلام أن من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فقد كفر فالالتزام
للجاهلية بهذا المبدأ خطر عظيم ومفسدة كبيرة لا تخفى على من له علم بهذا الفن
.
سابعا : يلتزم من سلك هذا الطريق بما فرضه أعداء الإسلام من تفريق لأهله من خلال ما
أسموه نظام التعددية الحزبية وجعله ركنا من أركان النظام السياسي في البلاد الإسلامية
حيث جاء في المادة (3) من قانون الأحزاب ما نصه : وفقا لأحكام المادة (39) من
دستور الجمهورية اليمنية تعتبر الحريات العامة بما فيها التعددية السياسية والحزبية
القائمة على الشرعية الدستورية حقا وركنا من أركان النظام السياسي والاجتماعي في الجمهورية
اليمنية ولا يجوز إلغاؤه أو الحد منه أو استخدام أية وسيلة تعرقل حرية المواطنين في
ممارسة هذا الحق ..... الخ .
وهذا إلغاء أو إعراض عن نصوص عديدة قرآنية ونبوية تحرم هذا التعدد والتنوع في العقائد
والمشارب والذي يترتب عليه أنواع التفرق المذموم الذي يؤدي إلى فشل المجتمع المسلم
وتمزقه وهلاكه .
ثامنا : التفرق بين المسلمين الذي ذمته النصوص الشرعية يقصد به التفرق الذي يقع مع
اتفاق الجميع على مرجعية الكتاب والسنة كما هو معلوم من تحذير العلماء من التفرق الذي
سببته اختلافات أهل العلم في قضايا كثيرة في الأصول والفروع مع التزام الجميع بالمنهجية
العلمية التي تقررت في أصول الفقه وإن كان يقع الخلاف في بعضها فلو كان التفرق
المؤصل له في هذه الدساتير هو هذا التفرق لكان مذموما بتلك النصوص الشرعية المانعة
منه فكيف إذا كان المقصود به المذاهب والأحزاب القائمة على مبادئ تعارض
أصول الإسلام وتوجب الردة عنه فالتزام من سلك هذه الطريق بهذا القانون والموافقة عليه
أمر يتعارض مع بدهيات الشريعة وأصول الإسلام .
تاسعا : الدخول في هذا الطريق يوقع من دخل فيه في الازدواجية والتناقض وتلون الخطاب
والمواقف ألا ترى إلى المعارضة الشهيرة للإخوان المسلمين للدستور وحكمهم عليه
بالكفر والإلحاد ثم كانوا أول المبادرين إلى تطبيقه واعتماد نصوصه حيث اعتمدوا عليه
في إنشاء حزبهم حزب الإصلاح قبل تعديله وبادروا إلى إخراج هذا القانون الطاغوتي
قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية منطلقين من الدستور وجعلوا الالتزام بالدستور شرطا
أساسيا لمن يمارس هذا العمل وجعلوا معارضته ناقضا من نواقض الشرعية الحزبية ، وقد بين
كثير من المراقبين أن الإصلاح لم يكن معترضا على أصل الدستور وإنما كان معترضا على
بعض نصوصه .
عاشرا : يتعهد من سلك هذا الطريق بأن لا يدعي التفرد بفهم الدين كما جاء في قانون الأحزاب
في المادة (8) الشرط الخامس وهذا يفتح المجال للتكلم في الدين بلا علم من قبل
الأحزاب والفرق الضالة وأن تفسر الدين بما يحلو لها بلا ضابط ولا أصول وهذا المبدأ
الباطل كان يمكن أن يحتمل لو كان الاختلاف في الدين جار بين علماء الإسلام الملتزمين
بالأصول والقواعد الفقهية أما بهذه الصورة فهو تسليم للجهال بل ولأعداء الإسلام
وتمكينهم من الدين ليتلاعبوا بأحكامه وتشريعاته على حسب الهوى .
ولهذا تسمع من أقوال العلمانيين في تلك المجالس في مواجهة ما يأتي به الإسلاميون من
نصوص شرعية تدمغ باطلهم يقولون النص الشرعي مقدس ولكن فهمك للنص ليس مقدسا ليصلوا بذلك
إلى إبطال مدلوله وإماتة مفعوله .
الحادي عشر : يلتزم من سلك هذا الطريق بالامتناع عن إقامة التشكيلات العسكرية أو شبهها
كما جاء في المادة (8) من قانون الأحزاب في الشرط السادس وهذا إلغاء لعملية الإعداد
التي أمر الله بها لمواجهة أعداء الله وتحريم لما أباحه الله من التدرب وبيع وشراء
الأسلحة التي يحمي بها الإنسان نفسه ويدافع عن عرضه ويقاتل بها في سبيله لا يقال إن
هذه من فروض الكفايات والجيوش الموجودة قائمة أو ستقوم بهذا الواجب لأن هذا الكلام
إنما يقوله من لا يفهم طبيعة الخلاف بين الحركة الإسلامية والأنظمة العلمانية ومن لا
يفهم ما هو الدور الذي يوكل به إلى هذا الجيوش أن تفعله
الثاني عشر : أسئلة لا بد من الإجابة عليها لمن يفكر في الدخول في هذا الطريق أو يعاون
أحدا عـليه وهي :
1 ـ هل العملية الديمقراطية الغربية مشتملة على الكفر أم هي عملية إدارية
بحتة لا تذم ولا تمدح إلا تبعا لفكر أصحابها وتوجهاتهم ، وأنها كما قال البعض كالسيارة
والثلاجة يعني ممكن تستخدم لما يجوز ومالا يجوز .
2 ـ إذا قيل بأنها مشتملة على الكفر فأين هو منها وما سببه ؟ وما
هي الآلية التي بها يمرر هذا الكفر ؟
3 ـ وإذا علمت مظاهر الكفر في هذا النظام فهل يجب بيانه للناس وتحذيرهم
منه ؟ أم لا مانع من ممارسة هذه العملية وارتكاب ذلك المحضور ومناصرة أهله من وراء
الكواليس وأن التأويل يغير حقيقته ويبطل مفسدته ويرجح مصلحته ؟ .
4 ـ العملية الديمقراطية تقوم على أساس اعتماد الأغلبية في نجاح المرشح
أو في إصدار القوانين التشريعية الوضعية وعليه فهو تسليم بأصل يستوي فيه من تتوفر فيه
الشروط الشرعية ومن ليس كذلك وهذا أصل باطل عند كل من له اطلاع على الأصول الإسلامية
لأنه يقضي على الشروط التي يجـب توفرها في من يتولى الـولايات الشـرعية .
وبعض الناس يزعم أنه لا يلزم من دخوله في هذا الطريق أن يكون معترفا بهذا
الأصل فهل يعقل أن شخصا يدخل المجالس النيابية بناء على أنه حصل على الأكثرية
، ويتعاون مع أعضاء وزملاء في المجلس حصلوا على الأغلبية مثله ويعلم أن الآلية
التي يتعامل بها من في المجلس في إبطال تشريع أو في تمريره هي الأغلبية
.
فهل يعقل أن مثل هذا لا يعني أنه يسلم بالأكثرية ؟ إذا فبأي شرعية يتكلم
في مجلس النواب ؟ وبأي حق يخاطب من فيه ؟ ولماذا يخاطبهم ؟ ومن أذن له بالدخول فيه
؟ وما هي صفتهم الشرعية حتى يخاطبهم ؟ وهل مثل هذا كله لا يلزم منه أن
يكون معترفا بالأكثرية وهل لمثل هذا أصل شرعي أم لا ؟
5 ـ هل الديمقراطية العربية ومنها اليمنية ومن خلال مفهوم الأحزاب العلمانية
لها هي الديمقراطية الغربية أم تختلف ؟ وما وجه الاختلاف ؟ .
6 ـ إذا سلم أن هذه الديمقراطية فيها جوانب عقدية كفرية فهل يقول أحد من
علماء الإسلام المعتبرين أنه يجوز ارتكاب ذلك الكفر من غير الضرورة الشرعية المعروفة
بشروطها ؟ بل يعترف به و يمارس بقصد الدعوة وانطلاقا من قاعدة المصالح
والمفاسد ويصبح منهجا إلى أن يأذن الله لمن سلكه بالتمكين وتسلم مقاليد الأمور على
خلاف بينهم هل هو موقف استراتيجي لا يجوز أن يتغير فيه شيء بعد الوصول أم تكتيكي يمكن
مخادعة الخصوم به إلى أن يتم التمكين فيقومون بتغيير الأوضاع على مقتضى النظر الشرعي
؟ نريد أن نعلم من قال ذلك من علماء الإسلام الأقدمين ؟ وهل تدخل قاعدة
المصالح والمفاسد هنا ؟ .
7 ـ هل العلمانية موجودة في بلادنا أم لا ؟ فإن كانت موجودة فما دليل وجودها
؟ وما مظاهره ؟ وهل تلك المظاهر قولية ؟ أم عملية ؟ وما هي آليتها التطبيقية ؟
أم هي أسرار قلبية ؟ أم أن العلمانية هي هذه المتمثلة في العملية الديمقراطية ؟
فلماذا تكون من الإسلاميين مقبولة متؤولة تتفق مع الإسلام ؟ وهي من العلمانيين كفر
ومؤامرة ضد الإسلام ؟ .
وهل حكمنا عليهم بالعلمانية قائم على معرفة ما في قلوبهم أم على ما ظهر
من نظمهم التي هي قاسم مشترك بينهم وبين الإسلاميين الذين دخلوا هذا الطريق معهم
وهل ينفع اختلاف النيات والمقاصد في هذا الأمر أي في تغير الحكم على العمل لا في الحكم
على العامل ؟ نريد بيان ذلك شرعا مأجورين ؟ وما هو وجه ذلك من الناحية الشرعية ؟ نظرا
إلى أن المؤدى واحد والنتيجة واحدة بالنسبة للإضرار بالشريعة الإسلامية وبعقائد المسلمين
والتلبيس على الناس أمور دينهم .
8 ـ إذا قيل بأن الدخول في المجالس النيابية على ما هي عليه الآن محل اجتهاد
معتبر فأين جانب الاجتهاد المعتبر فيه ؟ أهو الدخول بدون الاعتراف والالتزام بشروط
العملية الديمقراطية وقواعد اللعبة ؟ وهل يمكن ذلك ؟ أم مع الاعتراف بذلك ؟ وأن الاعتراف
بذلك له من الدلائل الشرعية والمصالح المرعية ما يجعله محل اجتهاد راجح على ما سواه
؟ .
9 ـ وإذا قيل بأن الدخول في هذا الطريق محل الاجتهاد فيه هو الدخول بدون
الاعتراف بقوانين اللعبة وأنه مع التطبيق الواقعي الاختياري لشروط
اللعبة في جميع محاورها ومواقعها داخل الحزب أو التجمع وخارجه والتكلم بذلك ليلا ونهارا
وسرا وجهارا والالتزام بما يترتب عليها من نتائج من تسلم مواقع ومناصب تجري فيها سائر
العقود والعهود والمعاملات والأحكام الشرعية المتعلقة بالدين والدم والمال والعرض
وغير الشرعية وأن ذلك كله لا يعني اعترافا بأي قانون وبأي نظام وبأي دستور وبأي
سلطة تنفيذية فهل كل هذا ممكن واقعا ؟ وجائز شرعا لا غبار عليه ؟ .
10 ـ إذا كان يمكن تقسيم مفهوم الديمقراطية إلى قسمين قسم يتفق مع مفاهيم
الإسلام وهو ما يزعم الإسلاميون الداخلون في الديمقراطية أنه فهمهم فيقبل عندهم وقسم
يختلف عنها وهو ما يفهمه العلمانيون فيرفض عند هؤلاء الإسلاميين فالعملية الديمقراطية
التي تمارس في الواقع والتي تنظم به الحياة برمتها السياسية والعسكرية والتشريعية والاجتماعية
والاقتصادية والإعلامية والتعليمية وغيرها إلى أي نوع تنتسب من هذين المفهومين
؟ إلى مفهوم العلمانيين ؟ فما فائدة مفهوم الإسلاميين إن لم يكن له واقع عملي
ونحن لا نجني إلا ثمار مفهوم العلمانيين وما هو المبرر الشرعي لإعطاء هذا الوضع الصبغة
الشرعية مع كل هذا ؟ وما فائدته ؟ .
أم إلى مفهوم الإسلاميين ؟ فما الخلاف بينهم وبين خصومهم السياسيين
، حتى تجعل القضية دينية يستغل الدين ضدهم وماذا جنوا حتى يعمل على إزاحتهم مع علم
هؤلاء بأصول أهل السنة والجماعة من المنع من المنازعة في هذا الأمر ؟ .
ولماذا يتحالف هؤلاء مع أشد الأحزاب انحرافا مثل الاشتراكيين ضد المؤتمر
الذي يقول الإصلاحيون أنهم لا يوجد بينهم وبينه فرق إيديولوجي ؟ هل كل هذا يجوز شرعا
؟ وهل كل هذا الكذب والخداع الذي يفرزه هذا الطريق الديمقراطي له مبررات شرعية ؟ وذلك
لأن تبرير هؤلاء يقوم على أساس الحفاظ على نزاهة الانتخابات لأن الانتخابات إذا تركت
بدون حماية لم يكن منها فائدة ويكون سعيا ضائعا وتكون جهودا فاشلة ومن ثم تضيع كل الجهود
فهل هذا الطريق يستحق كل هذه التضحيات ؟ .
11 ـ يقول البعض : إن هذه المفاسد التي تذكر في هذا الطريق هي على سبيل
الإلزام وليس منها مفسدة واحدة حقيقية واقعية التزم بها الداخلون في هذا الطريق ممن
نعرفهم بالديانة وحمل هم الإسلام وأن الإلتزام بنظام اللعبة الديمقراطية وقوانين الأحزاب
ليس على من التزمه جناح إلا مثل ما يلزمه في حمله للجواز وللبطاقة الشخصية ونظام جمعية
خيرية ومثل ما يلزم شخصا أو مجموعة قدر الله عليها وقضى أن تكون من رعايا دولة علمانية
ليس لهم من ذنب إلا مجرد السكنى وشمول ظل العلمانية لها بدون رغبة في هذا الظل الملعون
ومع كراهيتها لها ولظلها .
فيقال فما الخلاف بين الحركة الإسلامية وبين الأنظمة العلمانية إذا ؟
وأين يكمن الخطر المخالف للشرع في هذه القوانين ؟ أهو في اللفظ ؟ أم في المفهوم ؟ أم
في الأشخاص ؟ في ظاهرهم ؟ أم في باطنهم ؟ وما الداعي لبحث مسألة الانتخابات وبيان
الموقف الشرعي منها ، بل والعملية الديمقراطية برمتها ، بل ولحاكمية الشريعة والسعي
إلى ذلك جملة وتفصيلا إذا كانت لوازم هذا كله هي لوازم حمل البطاقة لأنها
والحالة هذه ليست هذه اللوازم محل خلاف إذ لم نسمع في هذه الأعصار من علماء الأمة ومجتهديها
المعتبرين من منع من حمل الجواز أو البطاقة لهذا المعنى بينما الخلاف جار على
أشده في الديمقراطية والإنكار على من سلك هذا الطريق معروف معلوم 0
فهل يعترف قائل هذه المقالة الشنعاء السابقة ، هل يعترف بأن مسألة
الدخول في المجالس النيابية هي محل خلاف بين العلماء ؟ أم لا ؟ وهل يتجاهل ذلك
الكم الهائل من الكتب وتلك المقالات التي ألفت من الجانبين في المنع والجواز إذا كانت
المسألة هذا هو أصلها وإطارها ؟؟
وكيف يقيس ما فيه خلاف عقائدي كبير على ما ليس فيه خلاف ؟ وكيف يقيس اللعبة
الديمقراطية برمتها على مسألة البطاقة الشخصية ؟ وكيف يقيس ما يمكن أن يكون في الجاهلية
من محاسن توافق الإسلام كاستخراج إذن بالأعمال الخيرية ككفالة الأيتام والإحسان إلى
الفقير والمسكين بحجة أن في قانونها مواد تخالف الإسلام مع أني لا ألتزم من ذلك بشيء
في واقع عملي إلا ما تجيزه الشريعة مراعيا في ذلك المصالح المعتبرة شرعا .
كيف يقيس ذلك على ما يناقض أصل الإسلام كاستخراج حزب ملتزم بقواعد
اللعبة الديمقراطية المناقضة للحاكمية ، وهل هذا إلا من جنس أن يقيس شخص جواز
عبادة الأصنام على الأصل الذي مدحه الرسول صلى الله عليه وسلم وأعلن التزامه به من
حلف الفضول ؟ وهل اهتدت الحركة الإسلامية إلى تلبيس أعظم من هذا ؟ .
ويقال حينئذ فهل هناك ما نع يمنعكم من الالتحاق بحزب الإصلاح ما
دام الخلاف في هذا الإطار ؟ وهل هناك مانع يمنع الجميع من الدخول في المؤتمر أو الاشتراكي
أو غيره ما دام الخلاف في هذا الإطار وهل هذا إلا قياس الجاهلية على الإسلام ؟
وما المبرر الشرعي لتفريق كلمة المسلمين ؟ وهل الاختلاف في الرأي السائغ الذي مناطه
هو مناط جواز أخذ البطاقة الشخصية والسكنى في ظل الدولة العلمانية يبيح الفرقة والتمزق
وتشتيت جهود العاملين للإسلام ؟ .
ويقال أيضا : فهل يطرد قائل هذه المقالة أصله فيلتزم أن النبي صلى الله
عليه وسلم طيلة مدة بقائه في مكة وسكونه مع المشركين من قومه في ديارهم وفي ظل
سيادتهم وسلطانهم كان في الحقيقة ملتزما بنظام الجاهلية أو كان لازما له شاء أم أبى
لأن بقائه معهم وسكناه بينهم اعتراف بهم وبأوضاعهم الجاهلية بجامع سكنى الدار
كما يريد أن يلزم هذا القائل من يعيش في بلدة تحكمها العلمانية والديمقراطية بأنه يلزمه
هذا اللازم ؟ ويريد أن يعطي حكم من أنكر وتبرأ وسكن مضطرا حكم من أقر والتزم
وسكن اختيارا ، وهل المسلم الفلسطيني الذي يحمل الجواز الإسرائيلي يستوي هو ومن يدين
باليهودية ؟ بجامع حمل الجواز وأن من ذهب إلى أمريكا من المسلمين وأخذ تأشيرة دخول
إليها يساوي من تنصر فيها 0بجامع الخضوع لنظام الإقامة ؟ .
وهل يلتزم أن إنكار النبي على قومه متناقض متهافت إذ كيف ينكر عليهم
مذاهبهم وعقائدهم ويتبرأ منهم وهو ساكن تحت ظلهم وفي جوارهم وينتسب إليهم فيقول
إن الله اصطفاني من قريش ويقول هو ابن عبد المطلب وينتسب إلى ديارهم ويقول عن
مكة حال كونها تحت وطأة الشرك والله إنك لأحب بلاد الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني
ما خرجت ؟ أريد أن أقول هل ذلك لازم له أم أن السكنى غير الاعتراف بالمبدأ ضرورة
.
وهل يستطيع قائل هذه المقالة أن يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يمدح الجاهلية في العلن ويشيد بها ويعلن التزامه بها ( كما يفعل الذين دخلوا
هذه المجالس ) ، فإذا خلا بأصحابه قال لا تصدقوا كل ما أقوله هراء وباطل ولكن السياسة
والحنكة تقتضي أن أقول ذلك لأننا في وضع عالمي لا بد أن نكون فيه أذكياء وأن يخدم المسلم
عقيدته من خلال الفرص التي تتاح له ويستطيع المسلم الواعي ان يستفيد من ذلك ويحقق خدمة
عظيمة لدينه وعقيدته
وهل تستوي هذه الأمور( البطاقة ) لا سمح الله مع الإشادة والاعتراف
بهبل والعزى ومناة وسائر الطواغيت والدعوة إليها والإعلان عن أنها الخيار الوحيد والأفضل
وهل يصح لأي مسلم أن يحتج بمثل هذا الاحتجاج ؟ وما الفرق بين هذا الاستدلال وبين من
يستدل بجواز السجود لغير الله من قبر أو وولي أو وثن بسجود الملائكة لآدم وأخوة
يوسف ليوسف وهل هذا الاستدلال إلا من مشكاة واحدة ؟ وإلا فما الفرق ؟ .
12 ـ هذه القوانين في البنوك والجمارك والضرائب والإعلام والأحزاب وغير
ذلك هل يصح أن يكون لها تفسيران ومفهومان مفهوم علماني ومفهوم إسلامي من جهة
واحدة ومن مصدر واحد أم لا يصح فإن لم يصح فما الذي جعل الديمقراطية وحدها قابلة لأن
يلعب بها هذا اللعب وتقسم هذا التقسيم ؟ وبمعنى آخر هل النية الحسنة والمفهوم المدعى
قادر على أن يقلب الحقائق في الواقع فيقلب الشرك إلى توحيد والبدعة إلى سنة ؟.
13ـ إذا قامت جماعة إسلامية في أي مكان تدعوا إلى المذاهب الاشتراكية وتستدل
بأدلة من النصوص الشرعية التي تمثل العدالة الاجتماعية ـ ( والجدير بالذكر أن الاشتراكي
يقول بهذه المقالة ) ـ وتدعي أنه لا فرق بين ما ذهبت إليه وبين ما تدل
عليه تلك النصوص بقيودها وإطارها أفتعطونها حكم من تأول الديمقراطية بالشورى الإسلامية
ونتبنى جميعا المذاهب الاشتراكية ودعم حملة هذه المناهج في الانتخابات مناصرة لمفاهيمهم
الأسلواشتراكية انطلاقا من هذا التأويل كما يدعو البعض اليوم إلى مناصرة الشيوقراطيين
أم بينهما فرق ؟ وما هو ؟ .
14 ـ ما هو الهدف من الدخول في المجالس النيابية أهو ديني بمعنى
اعتباره موقعا نافعا لبيان دين الله وإقامة حججه ؟ أم المقصود التمتع بالحقوق السياسية
المتاحة والتلذذ بالجلوس في تلك المقاعد والرغبة في أن تعرض صور أولئك على شاشة التلفاز
والاستفادة من الحصانة الديبلوماسية فإن كان هو الأخير فنعوذ بالله ونسأله أن
يجير الجميع من ذلك ؟ .
وإن كان الأول فبما أن هذا الطريق فيه مخالفات شرعية ومفاسد دينية
والهدف إنما هو تبليغ حجج الله فهل يمكن أن تستغل وسائل العصر المختلفة لإيصال هذه
الحجج بدون الوقوع في الإلتزام بتبعات هذا الطريق .
15 ـ المشاركة في هذه الطريق سواء كان بصفة فردية أو جماعية فيه
تلبيس على الأمة لأنها ترى وتفهم من المشاركة ومن وسائل الإعلام أن هذا الحق حق مشترك
بين الإسلاميين ومن عداهم من سائر الطوائف والفرق البدعية والإلحادية وأن ذلك جائز
شرعا .
فهل يلزم المشارك أن يبين للأمة أن هذا الحق الانتخابي ليس للأحزاب العلمانية
ولا للجماعات البدعية فيه نصيب ؟ وإنما هو حق لمن تتوفر فيه الشروط الشرعية فقط ؟ وأنه
يحرم على المسلم أن يعطي صوته إلا لمن تتوفر فيه الشـروط الشرعية ؟ وأن أي شخص يصل
إلى مجلس النواب من دون توفر الشروط الشرعية فيه فإن ترشيحه باطل وعمله عاطل ؟ وأن
المجلس إذا كانت أغلبيته من هؤلاء فلا يجوز الاعتراف به ؟ ولا البقاء فيه ؟ وأنه يجب
التصريح بذلك لمن في المجلس ولمن هو خارجه من الأمة على حد سواء ؟ أم أن ذلك لا يلزم
؟ وأن من دخل في هذا يسعه السكوت ؟ وما وجه عدم لزومه شرعا مع وجود هذه المفاسد
؟
16 ـ من الأهداف التي يريدها هؤلاء أن يكاثروا مخالفيهم بكثرة أعدادهم
حتى يتمكنوا من التغلب عليهم في إمرار القوانين أو إبطالها وهذا يعني أنه لن يكون هذا
المجلس فاعلا ومفيدا إلا حين الوصول إلى هذه المرحلة فهل لهذه المشكلة من حد تنتهي
إليه وأنه حين يغلب على الظن عدم القدرة على ذلك الهدف يصبح الخروج من المجلس هو الحل
الوحيد والأفضل ؟ أو يصبح هو الواجب ؟ ؟ أم أن المصلحة الشرعية تقتضي البقاء إلى ما
لا نهاية ؟ .
17 ـ يستدل الذين دخلوا هذا الطريق بأن ديمقراطيتهم إسلامية لأنها مثلا
لا يمكن أن تبيح اللواط بالتصويت لأن الشعب حين يطالب بالتصويت هو مسلم والذين يدخلون
هذه المجالس مسلمون فيبعد أن يصوت واحد منهم على اللواط ، ومن المعلوم أن الكفر
أعظم من اللواط .
وقد اتفق علماء الإصلاح ومن وافقهم من غيرهم بأن دستور الجمهورية اليمنية
قبل تعديله كان كفرا وقد حذروا الأمة منه ودعوا الأمة إلى المقاطعة ومع هذا فقد
حصل هذا الدستور على الأصوات التي تجعله صحيحا باسم الشعب فأيهما أعظم
إثما وجرما التصويت على الكفر ؟ أم على اللواط ؟ ، وأنا لا أتكلم عن حكم الشعب حين
صوت ، أنا أتكلم على التلاعب بالعقول والتناقض في الاستدلال فقط ؟ .
وهل مع هذا نقول أن المفهوم من الديمقراطية عند هؤلاء هو المفهوم
الإسلامي ؟ ومثله ميزانية الخمر ، ومثله قانون الأحزاب ، وقد مر ما فيه ؟ ومثله الأعداد
الهائلة للقروض الربوية قبل تعديل الدستور وبعده ، فهل هذا الطريق هو الذي أدى إلى
هذا الحال الذي يتم فيه تزييف الوعي عن عمد وترصد بحيث تستغفل العقول وينظر ما لذي
لا يزال المسلمون يستبشعونه فيجعلون موافقة الديمقراطية عليه كفرا وينظر إلى الأمور
التي قد ارتاض عليها المجتمع وهي أعظم في الكفر من الأمور التي يستبشعها فتصور بأنها
شوروية إسلامية .
17 ـ هناك من يقول : أن التصويت الذي يجري في المجالس النيابية
على القروض هو تصويت على أكل الربا وليس على إباحته وتحليله ومن ثم فيعتبر إمرار
القروض الربوية بالتصويت لا يتعدى كونه معصية لا تجر إلى الكفر ، بالرغم من هذا القائل
يسلم بأن من وظائف هذا المجلس إصدار التشريعات والقوانين فكيف صار التصويت على القروض
الربوية واعتماده عملا تشريعيا من قبل الحكومة تعتبره بعد التصويت ساري المفعول وثابت
الشرعية وهي من أهل الخبرة في هذا بينما هو عند هذا القائل لا يعبر عن تشريع وإنما
هو معصية من المعاصي فما موقفكم من مثل هذه الأقوال وهل تتفضلون ببيان الفروق
الشرعية التي نستطيع أن نميز بها بين التصويت الذي يكون كفرا وبين غيره .
ثم ما هو القانون الذي جعل للتصويت هذه الصلاحية وأعطاه هذه الفعالية
الشرعية وهل من صوت على قانون التصويت واعتبره فيصلا وحكما في هذه القضايا يعتبر ذلك
القانون كفرا أيضا ؟ أم لا 0وهل تعترفون أن كثيرا من هذه القضايا العقدية عندكم فيها
غبش وأن من الممكن أن تسوقوا الدعوة السلفية وأتباعها المحسنين الظن بكم إلى عواقب
وخيمة تتحملون وزر تلك العواقب يوم تلقون ربكم .
وعلى الأقل طلب السلامة محمود وأبعد من التبعة يوم الحساب فهل أنتم منتهون
؟ .
18 ـ إن كان الجواب بأن الأمر كذلك وأن التصويت على القروض الربوية واعتمادها
به ليس كفرا فهل يطرد هذا الأصل فيقال أن التصويت على الزنا وعلى اللواط يعتبر تصويتا
على فعل المعصية وليس على إباحتها ؟ وهكذا دواليك ؟ .
19 ـ نريد من الأخوة الفضلاء إن سلموا بأن الطريق الديمقراطي الذي يسلكه
بعض الإسلاميين فيه مزالق عقدية يخشى الواحد من أهل السنة إن سلكه من معرة الوقوع في
الكفر فهل سقف طموحنا السياسي ومنهجية اجتهادنا فيه ممكن أن يصل إلى حد تجاوز هذا الخلاف
العقدي والسماح به وأنه لا يفسد للود قضية وأن سالكه بالرغم من الاعتراف من أنه طريق
خطير من الناحية العقدية إلا أنه لا يوجب لسالكه من الهجر والمقاطعة أو المفاصلة مع
الموادعة على الأقل لا يوجب أي شيء من ذلك مع العلم أن سلفنا الصالح كانوا يفارقون
في قضايا بدعية لا تصل إلى مثل هذا الحد .
وبمعنى آخر هل الاجتهاد في قضايانا العقدية قابل للنقص والازدياد
و محمتل للصحة والفساد بحيث ما كان عقيدة إيمانية اليوم ممكن أن يصبح كفرا غدا وما
كان كفرا اليوم ممكن أن يصبح في المستقبل إيمانا وتوحيدا وأن عقيدتنا بهذه الظبابية
والغموض فعلا .
20 ـ لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وحاشاه
من ذلك اتخذ أسلوب هؤلاء المعاصرين في التعامل مع الجاهلية فأعلن التزامه بها كحل وخيار
حضاري يمكن معه التعايش السلمي مع مختلف الفرقاء وأن للجميع الحق في قيادة الأمة ثم
إذا خلى بأصحابه قال لهم إن هذا أسلوب سياسي لا يدل على أننا ملتزمون به وإنما نسايرهم
مسايرة حتى يفصل الله بيننا وبينهم هل كان ستقوم للدين قائمة وهل كان سيتبين الرشد
من الغي .
21 ـ لو أنه عليه الصلاة والسلام وحاشاه وافق على معالم الجاهلية وتبناها
من خلال أصولها العقدية والفكرية وقال إنه يمكنه أن يتعامل مع نصوصها معاملة ذكية يمكنه
معها أن يجعلها متوافقة مع الإسلام أو أن يذكر أنه يفهمها فهما خاصا على خلاف ما يفهمها
أهل الجاهلية مع وجود أناس يتبنونها بمفهومها الموافق لظاهرها وهم أقوى منه عددا
وعدة فهل يمكن والحالة هذه أن يتميز إسلام من كفر ؟ ورشد من غي ؟ .
نرجع إلى سرد وجوه المخاطر التي يلتزم بها من سلك هذا الطريق وكنا
قد ذكرنا اثني عشر وجها فنقول :
الوجه الثالث عشر : يلزم الحزب أو التنظيم السياسي الذي يسلك هذا الطريق
بأن يكون له برنامج سياسي يتضمن الأهداف والمبادئ والبرامج والوسائل وهذه الأهداف تدور
حول الإلتزام بالأهداف والمقاصد التي وضعها مشرعوا الديمقراطية وحول الموقف من هذه
الأوضاع الجاهلية وأن يتضمن هذا البرنامج القواعد المنظمة لكل شؤونه السياسية والتنظيمية
والمالية والإدارية بما لا يخالف أحكام قانون الأحزاب وأن يكون له نظام داخلي
يتم فيه بيان طريقة إقامة الحزب وتكوينه وكيفية اختيار قيادته وعلاقته بأعضائه وتكويناته
بما يضمن تأمين كامل الممارسات الديمقراطية داخل هذه التكوينات .
ولا يخفى مخاطر هذه القوانين داخل التجمعات الإسلامية وكيف تتوسل الأنظمة
العلمانية إلى إحكام القبضة عليها في داخل أطرها وتطويق أعناقها بهذه القوانين بما
يجعلها ملتزمة بها ظاهرا وباطنا ويصبح القول بأن هذه الالتزامات تكتيكية لا يلزم تطبيقها
في الواقع عار عن الصحة .
الرابع عشر : يلتزم من دخل في هذا الطريق بمبدأ التداول السلمي للسلطة
بين الأحزاب العلمانية على أساس التعددية الحزبية عبر الانتخابات النيابية الحرة المباشرة
وهذا ظاهر من خلال التصريح بالرضى عن هذه المبدأ والتسليم به وترتيبهم أحكاما
عديدة على ضوئه لا يمكن تجاوزها أو التهرب منها مثل الاعتراف بالشرعية والانطلاق منها
في محاكمة كل أمور الاختلاف التي تنشأ بينهم ، وهذا يخالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة
من وجوب الالتزام بشروط الإسلام في من يتولى الولاية وشؤون المسلمين العامة وتحريم
تمكين الكفار والمرتدين منها .
الخامس عشر : يلتزم من سلك هذا الطريق باحترام الرأي والرأي الآخر والاعتراف
به ويستشهدون في هذه المسألة بقوله تعالى ( لا إكراه في الدين ) وأن الله قد استمع
لرأي إبليس ويستدلون بقول أحد الديمقراطيين النصارى ما معناه ( أنا قد أخالفك الرأي
لكنني مستعد أن أموت في سبيل أن تقول رأيك ) وهذا يخالف أصلا إسلاميا معلوما من الدين
بالضرورة وهو مبدأ النهي عن المنكر والسعي في إخماده والقضاء عليه وزجر قائله
أو مرتكبه وهجره وليس له أي حق في الشرعية والاحترام بل لا يصح إسلام أحد إلا ببغض
أهل المكفر وبغض مذاهبهم والبراءة منها والسعي في القضاء عليها .
السادس عشر : يلتزم من سلك هذا الطريق بحق كل حزب في الانتشار والتمدد
والظهور والمجاهرة بمذهبه وبحقه في دعوة أبناء الإسلام إلى تجمعه وحزبه وأفكاره
كما جاء في المادة الخامسة من قانون الأحزاب ونصه ( لليمنيين حق تكوين الأحزاب والتنظيمات
السياسية ولهم حق الانتماء الطوعي لأي حزب أو تنظيم سياسي طبقا للشرعية الدستورية وأحكام
هذا القانون ) .
وكما جاء في ميثاق الشرف في فصل القواعد العامة والتي ذكروا منها
تهيئة المناخات بتوفير كافة الشروط والضمانات التي تتيح للفرد حرية التفكير والتعبير
وفرصة الاختيار والانتماء ومعلوم أن هذه الأحزاب تقوم على مبادئ إلحادية تناقض الإسلام
فإباحة الانضمام إليها إباحة للردة التي هي عليها وإباحة للمسلم أن يخرج من دينه حيث
لن يلتحق بأي من هذه الأحزاب إلا بعد دراسة وتفضيل لذلك الحزب على غيره .
وهذا المحذور هو الذي تفطن له المعارضون للاستفتاء على الدستور حيث ذكروا
أن هذا الأسلوب يعرض أبناء اليمن لاختيار الردة والموافقة عليها بقولهم نعم للدستور
وهذا موجود كما ترى في فرصة اختيار الانتماء للأحزاب ولا حول ولا قوة إلا بالله
.
السابع عشر : و يلتزم أيضا بتحريم استخدام منبر المسجد في نقد الأحزاب
العلمانية حيث جاء في البند الثامن من ميثاق الشرف قولهم : احترام دور العلم والعبادة
ومرافق الدولة ووسائل الإعلام العام وتحريم استخدامها أو تسخيرها للدعاية لصالح أو
ضد شخص أو حزب أو تنظيم أو برنامج سياسي أو في الصراع السياسي بين الأحزاب والتنظيمات
السياسية . وهذا يعطل دور المسجد ـ الذي هو البقية الباقية للإسلام ـ من
دور النهي عن كفريات ومنكرات الأحزاب بل ويؤدي إلى ضد ذلك تماما من الدعوة للمناهج
الغربية الكفرية من على منبر الإسلام والإيمان وعلى قدم المساواة مع الأحاديث والقرآن
.
الثامن عشر : يلتزم من سلك هذا الطريق بالموافقة على حق كل الأحزاب العلمانية
والتجمعات البدعية في إتاحة الفرص المتكافئة لها لاستخدام وسائل أجهزة الإعلام العام
كما جاء في البند الثامن من ميثاق الشرف ولا يخفى ما في ذلك من أضرار عامة تصل إلى
معظم الأفراد في المدن والقرى بل في ظل الفضائيات الضرر بذلك أكثر والخطر أعظم
.
التاسع عشر : يلتزم من سلك هذا الطريق بحق هذه الأحزاب في أن يكون لها
قدر مقرر من المال في بيت مال المسلمين تدفعه لها الدولة وبحقهم في الحصول على التبرعات
والهبات والأوقاف والعائدات التجارية والاستثمارية لدعم أنشطتهم ومذاهبهم ولا يخفى
ما فيه من ضرر عام وصرف لأموال المسلمين في غير وجهها الذي أذن الله به .
العشرون : يلتزم من سلك هذا الطريق بكافة الحقوق السياسية للمرأة التي
قررتها الدساتير العلمانية من الولاية العامة فما دونها والدخول في المجالس النيابية
وتعريضها للشبهات والشهوات على خلاف ما أراد الله لها من القرار في بيتها لتؤدي وضيفتها
المنوطة بها كما جاء في ميثاق الشرف قولهم ( العناية بالمرأة وتمكينها من ممارسة حقوقها
الدستورية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية دون انتقاص في الحقوق والواجبات
بما يعزز دورها للإسهام في بناء المجتمع عملا بقوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
أولياء بعض ) .
الحادي والعشرون : قد تدعوا الحاجة في المواسم الانتخابية إلى العمل على
توفير الضمانات التي تجعل الانتخابات نزيهة وموضوعية فيأتي دور التحالف مع أحزاب المعارضة
ضد الحزب أو الأحزاب الحاكمة فتتغير المواقف والأحكام وتتبدل الرؤى بما يجعل المراقب
البصير والمحب الناصح والعدو المتربص الكل على حد سواء يتساءل عن سر هذه التحولات
وهل الذين يسلكون هذا الطريق لهم عهد أو ذمة لأن المقايضات السياسية تتبدل كل يوم فيصبح
عدو الأمس صديق اليوم وصديق اليوم عدو الأمس كل ذلك من أجل الانتخابات والمشكلة أن
هؤلاء يقولون أنه لا عيب في هذا الأسلوب لأنه حق ديمقراطي وأنه أسلوب ديمقراطي
) .
وهذا يعني أن الأسلوب الديمقراطي نفعي بالدرجة الأولى يبيع المبادئ ويعرضها
في المزاد العلني لمن يحقق له مصلحته فتضعف الثقة في الحركة الإسلامية وتصبح عرضة للسخرية
من قبل الخصوم وما تحالف الإصلاح مع الاشتراكي الذي يجري هذه الأيام عنا ببعيد مما
جعل الحزب الحاكم يدق على هذا الوتر لتنفير الناس عن الإصلاح .
الثاني والعشرون : يلتزم الحزب أو التنظيم السياسي بأخلاقيات
المواثيق الشرفية التي يتم التعامل مع بقية الأحزاب على ضوئها وهي تقوم على أساس
تمييع الولاء والبراء واستعمال مصطلحات إسلامية لا تصلح إلا في بابها وفي مواضعها التي
قررتها الشريعة من ممثل قولهم في بيان أهداف إخراج ميثاق الشرف الهدف السادس
:
( تنقية الممارسات السياسية والسلوك الحزبي من الأثرة والالتزام بآداب
الخلاف والتخلق بآداب الجدال والحوار بما لا يذهب الود ولا يفسد الأخوة وحقوق المواطنة
) .
الثالث والعشرون : لا بد أن يقع في المناسبات والكلمات
المتبادلة في المؤتمرات والاجتماعات ألفاظ تنبئ عن نوع من المجاملة والمداهنة والمدح
الذي لا يطابق الواقع أو يوقع في التلبيس والكذب والتغرير بالثناء على من لا يستحق
الثناء وتأمل معي ما جاء في مقدمة ميثاق الشرف من مدح للأحزاب العلمانية بأنها ( تمثل
الطليعة المتميزة القادرة على استشراف آفاق المستقبل وأنها ترجمة لأماني وأهداف الجماهير
وأنها تقوم بأدوار هامة في قيادة المجتمع والتعبير عن آماله وحشد طاقاته وتوظيفها
لخدمة التقدم والتطور والدفاع عن الحقوق والواجبات ) .
الرابع والعشرون : يعتمد من سلك هذا المسلك على أمل أن يحقق الأغلبية التي
بها يستطيع التغيير باعتبارها أداته الفاعلة والتي بدونها يكون عضوا مشلولا لا حركة
له ولا تأثير إلا أنه قد بدا للعيان أن الحركة الإسلامية التي سلكت هذا الطريق
تكون أقوى ما تكون حين تبدأ في هذا الطريق فتحصل على مكاسب مشجعة بسبب كثرة الأنصار
ثم يبدأ العد التنازلي في المكاسب والمصالح فلقد خسرت الحركة الإسلامية في اليمن أعز
وأغلا مكاسبها التي حققتها طيلة فترة صراعها مع التيارات العلمانية ألا وهي المعاهد
العلمية بسبب الزج بها في الصراع السياسي أو بالدعاء الخصوم أنها تستغل في الصراع السياسي
وأنها تولد الإرهاب .
وهذا العد التنازلي في الخسائر يصل إلى حد الإحباط واليأس فيحدث التسرب
إلى التجمعات الجاهلية أوالتفلت من المسيرة أو اللجوء إلى العنف والمنازلة قبل أوانها
وبذلك أصبح من المستحيل أو من البعيد جدا أن تحصل الحركة الإسلامية على أكثرية مريحة
يمكنها من تحقيق أغراضها التي دخلت من أجلها في هذا الطريق وخاصة أن أمل التغيير يعتمد
على هذا الأسلوب فمن ثم تصبح المصالح المتوهمة التي يرجى تحقيقها بهذا الطريق على كف
عفريت كما يقال فيظل الإسلاميون منتظرين لهذه الأكثرية ويرتكبون بسببها أنواعا من المخالفات
والتنازلات والتحالفات والمداهنات ولكن بدون جدوى ولن يروا هذه الأغلبية حتى يرى الروافض
مهديهم المنتظر بمواصفاته لديهم والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل .
الخامس والعشرون : لقد حدث بسبب الدخول في هذا الطريق أن شهدت الحركة الإسلامية
بإسلامية الأنظمة والقوانين الحاكمة وذلك تبريرا لدخولها وإجابة على التساؤلات الواردة
عليها فاستغلت الأحزاب والأنظمة العلمانية هذه الشهادة للاحتجاج بها على الحركة الإسلامية
بأن الصراع بينها وبين الحركة الإسلامية ليس على الإسلام والشريعة وإنما هو على حقها
في الوصول إلى السلطة باعتباره حقا تقره الدساتير والقوانين التي تنظم اللعبة الديمقراطية
ومن ثم فإن أسلوب الخطاب الذي تستعمله الحركة الإسلامية في التباكي على الإسلام والشريعة
هو أسلوب مزايدة لا أقل ولا أكثر بدليل أن الحركة ترى الأنظمة والقوانين إسلامية فما
الموجب لمثل هذا الخطاب سوى استغلال الدين في الصراع السياسي على السلطة ومن ثم فإن
الجماهير تنفر من هذا الأسلوب ولا ترى في أهله مصداقية فتضعف المناصرة ويقل الحماس
ويذهب كل إلى مصلحته الخاصة في هذا الصراع .
السادس والعشرون : كل هذه المفاسد وهي مشاهدة ومرئية تبين
أن الديمقراطية اليمنية المعمول بها في الواقع هي الديمقراطية الغربية لأن الشورى الإسلامية
ليس فيها شيء من هذه المفاسد فعلى من يقول أن الديمقراطية اليمنية بمعنى الشورى أن
يستحي على وجهه ويحترم عقول الناس وليت شعري إذا كانت بمعنى الشورى فما الذي جعل هذه
الشورى الإسلامية تطيب لأمريكا وأوروبا إلى هذا الحد وتستعذبها وتمدحها وتجعلها
شرطا في المساعدات والقروض بل وتنفق عليها وتهتم بها هذا الاهتمام الزائد مع أنها دمرتها
في أفغانستان .
السابع والعشرون لقد تم بحمد الله الاجتماع في الفترة السابقة والاتفاق
بين جميع فصائل الحركة السلفية على الابتعاد عن هذه النهج الديمقراطي الغربي
مما جعل أرضية التفاهم موجودة ونقاط الخلاف محدودة وشكلية مما سيوفر في المستقبل بحول
الله ولادة تجمع سلفي ضخم يحظى بوضوح المبدئية واحترام الناس ويساعد على تقوية العمل
الإسلامي ذي المنهج السديد وفي المقابل سيؤدي إلى انبعاث تيار إسلامي لا قبل
لآهل الباطل به ومن ثم سيقرب اليوم الموعود والوعد المنشود .
فهل من مصلحة الدعوة الإسلامية بصفة عامة والمنهج السلفي بشكل خاص هل من
مصلحته الدخول في نفق يزيد من الشتات والفرقة ويجذر الخلاف ويعمق الهوة في الوقت الذي
يحرص الجميع على جمع الشمل ولم الشعث وقد بدأت جهود ومساعي مباركة في تحقيق هذا الهدف
الغالي فلو لم يكن من مفاسد هذا الطريق الديمقراطي إلا هذه المفسدة لكانت كافية
فكيف بما سبق من المفاسد الأخرى .
الثامن والعشرون : لقد جرب هذا الطريق أناس قبلنا فلماذا لا ندرس هذه التجارب
بتجرد وننظر هل في الإمكان أحسن مما كان أم الأمر مضيعة للدين والمصالح والأزمان والأثمان